محمد بن جرير الطبري

126

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

الأخرى التي هي عين الاسم ، فصارتا في اللفظ لامًا واحدة مشددة ، كما وصفنا من قول الله ( لكنَّ هوَ الله رَبي ) . القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } . قال أبو جعفر : وأما " الرحمن " ، فهو فَعلان ، من رَحم ، و " الرحيم " فعيل منه . والعرب كثيرًا ما تبني الأسماء من " فَعِل يفْعَل " على " فعلان " ، كقولهم من غَضِب : غَضبان ، ومن سَكر : سكران ، ومن عَطش : عطشان . فكذلك قولهم " رَحمن " من رَحِمَ ، لأن " فعِلَ " منه : رَحم يرْحم . وقيل " رحيم " ، وإن كانت عَين " فعِل " منها مكسورة ، لأنه مدح . ومن شأن العرب أن يحملوا أبنية الأسماء - إذا كان فيها مدح أو ذم - على " فعيل " ، وإن كانت عين " فعل " منها مكسورةً أو مفتوحةً ، كما قالوا من " علم " عالم وعليم ، ومن " قدَر " قادر وقدير . وليس ذلك منها بناء على أفعالها ، لأن البناء من " فَعِل يفْعَل " و " فعَل يفعِل " فاعلٌ . فلو كان " الرحمن والرحيم " خارجين عن بناء أفعالهما لكانت صورتهما " الراحم " . فإن قال قائل : فإذا كان الرحمن والرحيم اسمين مشتقين من الرحمة ، فما وجهُ تكرير ذلك ، وأحدهما مؤدٍّ عن معنى الآخر ؟ قيل له : ليس الأمر في ذلك على ما ظننتَ ، بل لكل كلمة منهما معنى لا تؤدي الأخرى منهما عنها . فإن قال : وما المعنى الذي انفردت به كل واحدة منهما ، فصارت إحداهما غير مؤدية المعنى عن الأخرى ؟ قيل : أما من جهة العربية ، فلا تَمانُع ( 1 ) بين أهل المعرفة بلغات العرب ، أنّ قول القائل : " الرحمن " - عن أبنية الأسماء

--> ( 1 ) لا تمانع : أي لا اختلاف بينهم ، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر .